سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصي الحنبلي
136
الإكسير في علم التفسير
تحداهم أن يأتوا بمثله ، ثم بعشر سور منه ، ثم بسورة منه ، بحيث إذا عجزوا عنها كانوا عن أكثر منها أعجز . وإنما قلنا : إن النثر أسهل عليهم ، وهو الاعتراض على الوجه الثاني ؛ لأنهم صرفوا عنايتهم إلى النظم عنه ، واستفرغوا وسع قرائحهم فيه ، اظهارا لقوتهم في الفصاحة والبلاغة . والعادة جرت في مقام الافتخار وإظهار الفضيلة ، وإنما تعتني بالأصعب فالأصعب ، كما أنه إنما يظهر فضله في الفروسية في قيادة الفرس الجواد الجموع ، دون البرذون ، وفي الشجاعة بمبارزته الشجاع دون الجبان ، وفي قتل أسد لا سنّور ، وجرأته في خوض المفاوز المخوفة في ظلام الليل ، دون شوارع القرى ، وأزقة المدن نهارا ، وفي حمله الثقل ، يحمل ألف رطل ، لا في حمل خمسة أرطال . وأجاب عن الأول ، بالقياس على سائر المعجزات ، كإحياء الموتى ، وانشقاق البحر ، ونبع الماء من الحجر ، فإنها كانت أصعب الأشياء على أهل زمانها ، وهذا ضعيف لأن معجزات الرسل وردت من جنس ما كان يتعاناه « 1 » أممهم ، ويفتخرون به ، وهو عظيم عندهم ، كالناقة لأهل الإبل ، وقلب العصا حيّة لأهل السحر ، وإحياء الموتى لأهل الطب ، والفصاحة لأهل اللسان ، وذلك لا يمنع تحدي بعضهم بأسهل مما عندهم ، مبالغة في إظهار عجزهم . وأجاب عن الثاني : بأن إكثار العرب من النظم دون النثر ، دليل على مشقته ، وسهولة النظم ؛ لأن الإنسان إنما يكثر مما يسهل عليه ، ويقل مما يعذر عليه ، وهذا ضعيف من وجهين : أحدهما : منع ما ذكر بأن الإنسان قد يصرف همته إلى الأصعب حتى يصير عليه أسهل من الأسهل ؛ لإلف نفسه له ، وحصول الملكة لها به ، كالكاتب يألف قلم النسخ ، والخياط يألف خياطة الحرير والخزّ ، فيصير أسهل عليهما من قلم الثلث ،
--> ( 1 ) يتعاناه : يعنون به